الأحد، 19 يوليو 2026

الشرَك المقابله

ما زلت في الواقع مأخوذ بمقولة لـ اندريه غيد ، إن أجمل الأشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل .. تساءلت دائما ما هي نوعية المسافة التي تفصلنا عما نشتهي ؟ تراها تقاس بالمكان أم بالوقت ، أم بالمستحيل ؟!
وأي منطق هو منطق الرغبة؟ أيكون منطقاً لغويا، أم منطقاً زمنيا، أم منطق ظرف تضحك فيه الحياة؟
وعلى ما أعتقد فإن الطريقة الصحيحة المعرفة ذلك هو المثال الذي أوضحه لنا استاذنا في الثانوي لمادة المجتمع ذات مرة عندما راح يوضح أن وجهة نظرنا في أمر تختلف حسب موقفنا والزاوية التي نقف فيها ولذا طلب منا أن نأتي صوبه ويصعد الواحد تلو الآخر فوق مكتبه كي نرى من حيث نحن كيف أن قاعة الصف نفسها تبدو مختلفة عندما نراها من فوق مكتب الأستاذ من الجهة المقابلة لنا .

فعلى ما يبدو أن الطريقة الصحيحة لفهم العالم هي التمرد على موقفنا الصغير والجرأة على تغيير مكاننا وتغيير وصيتنا حتى بالوقوف على طاولة عوض الجلوس أمامها والإتكاء عليها.

كنت على موعد معها لنعد مقابلة تدعى فنجان قهوه واتتني مهرولة تحمل الكثير . من الأوراق وقلم .. بدت منها ابتسامة مربكة لم أفهمها تماماً .. أكانت تسلم علي بها أم تشفق علي من وحدتي بعد أن طال انتظاري لها أم تسخر مما كنت قد أعددته لها.. تراها قرأته؟ أم أنها تريد بتلك الإبتسامة أن تستلم زمام المبادرة وتتعرف علي بقراءة ما كتبته لها أمامي في هذا المكان العلني وهي تنظر إلي لتلمس صدق ما كتبت ... والحقيقة انني لم أعود رومانسيتي أن تبوح بما فيها لإمرأة تعجبني في ركن عام حيث بإمكان الجميع من حولك أن يتابعوا عن بعد كل أوضاعك النفسية وتقلباتك الشعورية أمامها كمن يمارس الحب على وقع أزيز سرير معدني
على الأغلب وبحسب خبرتها احست بالظرف الذي يحيط بنا وبنظرتي الحائرة كيف أبدأ فبادرت قائلة ما رأيك أن نذهب الى مكتبي وفي لحظة نهوضنا وقع قلمها منها فانحنيت معها بحركة تلقائية لالتقطه ... لحظتها شعرت بأن الذي وقع ليس قلمها وإنما قلبي .. الذي بكلمة واحدة قد وقع مني ... وقعت عيني عن الأرض جانيا أمام ركبتيها متسلقا بنظرات بطيئة صدرها، ثم عندما وصلت إلى وجهها كانت عيناها مفاجاتي ولم تمنحني فرصة لأحدق بهما إذ سرعان ما تناولت القلم مني شاكرة وانصرفت بإتجاه المصعد وأنا الهث ثملا من نشوة اللمحة ...
التلاقي بين رجل وامرأة، ففي كل لقاء معجزة ما ... شيء يتجاوزهما، يأتي بهما في الوقت والمكان نفسه ليقعا تحت تأثير القدر .. ودخلنا المصعد وكان مزدحماً ووقفت ملتصقا بجداره تاركاً لي ما يكفي من المسافة كي يلامس جسدي جسدها مسافة لم أعد أدري أعبرتها في لحظة أم في ساعات ولكنها المسافة الصغيرة والكبيرة في آن واحد، تلك التي عندما نقطعها تكون قد تجاوزنا عالم الحلم إلى عالم الحقيقة .. أكانت كافيه ليلتصق بي عطرها ويخترق حواسي حد إيقافي بعد ذلك أياما أمام أنوثة لن أستول عليها سوى برحيقها .. وعندما استفقت من غيبوبة نشوتي على هدير باب المصعد يفتح في الدور الخامس كدت أسألها ما اسم عطرك يا سيدتي ثم ترددت، فقلت لها قبل أن أسألك عن شيء خاص فيك أريد أن أعرف إذا كان إسمك الأول كما أوحى إلي حدسي نظرت إلي بصمت وكأنها تقول لي ما الذي أوصلك إلى هنا ترى فضولك الأدبي أم تراك تطرق أبواب الغزل بذريعة الأدب، ثم ناولتني
بطاقتها ..
 وما أن جلسنا في المكتب حتى جاء الفرّاش ، وسألني ماذا تريد أن تشرب قلت له أريد سفن، قلتها وكأنني أعني أريدك أن تتركنا وشأننا سفن دايز، وبادرتني قائلة والآن ماذا تحب أن أسألك، قلت: أنا أحب الأسئلة الكبيرة .. الأسئلة المخيفة الأسئلة التي تتناول المضمون، أما تلك الفضولية المباشرة فهي تزعجني بسذاجتها وأظنها تزعج المشاهدين، وطلبت منى أمثلة، فقلت يسألونك مثلاً ماذا تعمل؟ لا ماذا أردت أن تكون ..يسألونك هل تصلي قبل أن يسألونك هل تخاف الله ؟!.
يسألونك عن أخبار المرأة التي تزوجتها لا عن أخبار تلك التي تحبها، يسألونك ما اسمك لا ما إذا كان هذا الإسم يناسبك يسألونك ما عمرك لا كم عشت من هذا العمر يسألونك أي مدينة تسكن لا اية مدينة تسكنك.. وكيف تعودت أن تجيب على هذه الأسئلة ؟!
قلت بالصمت فنحن عندما نصمت نجبر الآخرين على تدارك خطاياهم.
وترد كيف؟ ألا يمكن أن تخلع قليلاً من غموضك فأقول وحده الحب يعرينا سيدتي بالمناسبة لماذا تناديني سيدتي ؟
ثمة نساء خلقن هكذا لهذا اللقب .. جئن للعالم بهذه الرتبة وأي تسمية أخرى هي إهانة لأنوثتهن..
تبتسم ثم تبادر قائلة بشيء من التحدي الأنثوي
انت رجل تهوى طرح الأسئلة المعكوسة وبأكثر من هدف، فهل لديك شجاعة كافية للرد على أسئلتي المحرجة ؟
اجبت بتحد مازح هذا عائد إلى ذكاء الأسئلة وأظنني نجحت في تحفيز هذا الذكاء الآسر..
 رفعت التحدي وطرحت سؤالها الأول: أي اسم كنت تريد أن تحمل ؟ وجاء جوابي مدهشاً لها الإسم الذي تختارينه لي وانت تسمعين أجوبتي والذي ابتدأ يرتسم على شفتيك وباح به بريق عينيك.
اجابتني كمن يمزح ولكن أنا لم أختر لك إسما بعد .. فرددت بسخرية مداعبة سبق أن قلت لك .. وحده الحب يكشفنا يا سيدتي
ردت بإرتكاس سريع ؟
هل فهمت من ذلك أنني لست عاشقة
بعد ؟
بقي سؤالها معلقا إلى صمتي فنظرت إلى نظرة الطالبة التي تستميح أستاذها عذراً على سؤال سريع دون تفكير فتتدارك خطأها وتطرح عبارتها بصيغة أخرى
هل حدث للحب أن جردك من غموضك؟ قلت حدث ذلك مرة واحدة بعدها لبست خيبتي ولم أخلعها بعد.
قالت بنشوة أنثى إذن ليس في حياتك رجلا في

قالت لن يفيدك جوابي في الوقت الحاضر. الحقت عبارتها بسؤال خاطف هل انت كويتية صرفة .. فقالت لي لا يبدو عليك أنك طبيب فقط، ثم استرسلت سائلة ربما انك لست كذلك فماذا تعمل في الحياة؟ قالتها وكأنها على يقين بأني أملك أسلحة أخرى ثم استدركت نفسها.. قلت في الواقع كنت أريد أن أكون مدرساً ثم ممثلاً أو روائياً كي اعيش أكثر من حياة، فإن حياة واحدة لا تكفيني خصوصاً عندما تتواجد في هذه الحياة نساء مثلك .. وتابعت وكأنني لا أكترث للسهم الذي رميته، أنا انتمى يا سيدتي إلى جيل يعاني أزمة عمر ينفق حياته حتى قبل أن يعيشها، ما عدا هذا فأنا رسام من نوع خاص انجز بيدي ما أريد. يستعمل المبضع بدل الريشه، فهو يجعلني قالت لي بإيماءة ماكرة الآن بدأت أوقن بأنك فعلا رسام ( وناوي ترسم على ايه المره دي ؟) نطقتها بحرفنه مصرية، ثم أطرقت براسها تقلب أوراقها وكأنها هذه المره تعرف تماماً بأنها لن تلقى مني جواباً.
قاطعت نشوتها الأنثوية بإطراء أحب فيك هذا الثوب ... الأزرق الفاتح يليق بسمرتك. وسألتني حقاً؟!
قلت حقا .. ولكن أكثر من هذا اللون .. أحب المصادفة التي جعلتنا نرتدي اللون نفسه اليوم أيضاً.
قالت لي بعبارة فيها الدعابة لكنها لا تخلو من المكر هيا نفرح معا فالأضواء ستسلط علينا اليوم وكأنها تذكرني بأننا في مكتب
ولسنا تماما وحدنا.
فقلت لها مداعباً ليس اليوم .. اليوم الأضواء كلها ضدنا كما كانت يوم التقينا أول مرة
أول مرة ؟!
اجل في قاعة السفارة البلجيكية وهي تحتفل بعيد ميلاد مليكها رحت تحادثين آخر وأحادث أخرى بإهتمام مقصود أخذ كل واحد منا مكاناً في مجلس مختلف تفاديا لمزيد من الأضواء والأخطاء، ولكننا لم نذهب أبعد من بعضنا بعضاً، لقد كنا متقابلين حتى تجاهلنا المتعمد أحدنا للآخر أذكر يومها تبعثرنا ارتباكا في تلك القاعة التي نذر فيها من يعرفنا، لا أدري لماذا ارتبكنا لنمثل دوراً على هذا القدر من الغرابة
فنظرت إلى وكأنها فهمت كم يلزمني من الصبر لأرد على فضولها ..
كنت واثقا وبكبرياء الأنثى ورغم شعورها بأنني الخفي سوابق ما قالت على كل حال التعريف بحالتك المدنية والعشقية راجع اليك ، قلت اتعني أنها لا تعنيك أم أنها لم تعد تعنيك ؟! أم أنها لا تعنيك بعد ...
نعم ففي هذا النوع من الروايات لابد أن تكون لكِ علاقة ثقة بالقدر .. أن تتركي له مقود سيارتك دون أن تعطيه عنواناً بالتحديد أو تعليمات صارمة بما تعتقدينه أقصر الطرق وإلا فتتسلى الحياة بمعاكستك وتتعطل بك السيارة وتقعين في زحمة سير وتصلين في أحسن الحالات متأخرة عن أحلامك..
قالت إن أمراً كهذا يتطلب الكثير من الصبر وأنا امرأة لا تعرف الإنتظار. أجبت انت لم تعرفي الحب إذاً
قالت بل عرفته .. لكن معرفتي لم تزدني إلا عجلة.. علمني الحب أن لا أصدقه فما استطعت وعلمني ان اتعرف عليه قبل أن احتفي به فما استطعت .. مازلت أمام قطار الحب أرى في كل نازل قدومه ثم اكتشف أن هذا القطار ذو وجهة أخرى، فأذهب نحو حب من نوع آخر أنهمك في عملي وأترك راكب القطار مذهولاً من أمري جالساً على حقيبته .. كنت استمع إليها بشيء من الإهتمام الذي قد يكون سببه احتمال أنني في تلك اللحظة شعرت بأنني جالس على
حقيبتي دون علمي. ثم قلت لها: أتمنى أن تغادري بعد الآن هذه المحطه..
كان الأصح أن تقول ، كيف، ولكنها سألتني لماذا؟
وجاء جوابي مباغتاً في صرامته: لأنني آخر راكب ينزل من هذا القطار .. لقد كان الطريق إليكِ طويلا .. طويلاً منذ أول لقاء فلا تنتظري شيئا يا سيدتي .. لقد أعلنتك محطة مغلقة..
نظرت إلي بتفحص شديد وكأنها تسأل نفسها كيف يمكن لإمرأة أن تقاوم رجلا ثملا بهذا القدر من الكبرياء.
كان عليَّ في تلك اللحظة الحاسمة أن أهب كل ما فيَّ من إغراء الرجولة في تلقائيتها وأنا ألفظ هذا البلاغ العشقي الأول.
في غمرة رومانسيتي سمعتها تقول ولكنني لا أعرف عنك شيئا .. قلت هذا أجمل..
 ولاتعرف عني أكثر من وهم اللون الأزرق.. قلت: لا يهم.
وتعتقد أنك تستطيع إيقاف صفير القطارات وندائها السري الداخلي .. قلت قطعاً..
وهل تظن أنه من السهل أن ينمو العشق في هذا الزمن المضاد للحب .. إذ أننا قد نذهب نحو تورط عشقي !. 
قلت حتماً..
هل في حياتك امرأة؟
قلت: وهل تتوقعين غير ذلك ثم استرسلتُ من الأفضل لك يا سيدتي أن تحبي رجلاً في حياته امرأه من أن تحبي رجلاً في حياته قضيه فقد تنجحين في امتلاك الأول ولكن الثاني لن يكون لكِ لأنه لايمتلك نفسه
ربما كنتِ في الحياة التي عشتها تحبين الرجال الذين في حياتهم قضيه وكان الأحرى بكِ أن تبدئي بروايه تحبين أبطالها الذين في حياتهم امرأه.. فقد انتهى زمن القضايا الكبيرة والقضايا الجميلة التي كانت تجعل جيلا كاملا من الرجال يبدو أكثر عنفواناً وتألقاً مما هو ..
 في الدكاكين السياسية التي يديرها حكام زايدوا علينا بدهاء في كل قضية .. باعوا أم القضايا وقضايا أخرى جديدة معلبه حسب النظام العالمي الجديد جاهزة للإلتهام المحلي والقومي، فانقضضنا عليها جميعا بغباء مثالي ثم متنا متسممين بأوهامنا لنكتشف بعد فوات الأوان أنهم مازالوا وأولادهم على قيد الحياة يحتفلون بأعياد ميلادهم فوق أنقاضنا ويخططون لحكمنا للأجيال القادمة .. ولذا منذ تلك القضية انقرض الحالمون وسقط فرسان الرومانسية من على خيولهم..
وقبل أن تجمع دهشتها من هذه الفوضى من الحواس التي سببتها لها جاءتنا زميلتها التي كانت قد وعدتها أن تقلها بسبب عطل طارئ لسيارتها ... تركتني مودعة لأستهل وجهتي إلى مخرج عبر الأروقة الطويلة، وأنا أكاد أصل إلى نتيجة رهيبة من لقائي معها ..
الحب قضية محض نسائية لا تعنى الرجال سوى بدرجات متفاوته من الأهمية بين عمرين أو خيبتين، وعند إفلاس بقية القضايا الكبرى ..
 أمن هنا يأتي حزن النساء !. أمام كل حب ، فالرجل كان دائما ضابطاً في مجتمعنا يحب الإنتصارات السريعة حتى في سريره والأنثى كانت دائما تحب الهزائم الجميلة والغارات العشقية التي لا تسبقها صفارات انذار، ولا تليها سيارات اسعاف .. وتبقى إثرها جثث العشاق أرضا.

في النهاية .. الرجال الذين خلقوا لكرسي لم يخلقوا بضرورة لسرير والذين يبهروننا بثيابهم ليسوا الذين يبهروننا بدونها وهكذا تكمن عبقرية الإرهابيين في اختراعهم لبذلتهم المدججه و التي يخيفوننا بها ويكمن دهاء رجال الدين في اختراعهم لثياب التقوى التي يبدون فيها أكثر نقاء وطهرا، وأقرب إلى الله منا، وذكاء الأثرياء في تصميمهم توقيعات لكبار المصممين ما يدعى بالفرنسية (سينييه) كي يرتدوا الثياب التي تميزهم عنا ويضعون بيننا وبينهم مسافة واضحة .. وأسأل نفسي من أين جاءتني أنا كل هذه الحرائق ؟ أمن تمردي على كل شيء أم من براكين الكلمات التي تنفجر داخلي بإستمرار ...

-كتبت بمناسبة لقاء بين ايماني الذي لاأبتغيه أن يتزعزع 
وبين لطفها الذي ما فتىء يزيدها عذوبة لأتزلزل !...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق