الأربعاء، 19 مايو 2021

الهمجي والنذل وحروب السلالات .د . نزار العاني .

كان يا ما كان ، في قديم الزمان .
كان جالساً في عتمة مغارته ولم يكن قد اكتشف بعد مانسمّيه في أيامنا هذه  فضيحة العُرْي ، ولم يكن قد تَهجّى بعد معنى العَيْب ، وكانت كل مقومّات حياته تتلخص بلقمةٍ تقيهِ من وطأة الجوع ، وجرعة ماء ، وهراوة للطوارئ ، وحين خرج إلى الضوء والنور قرر أن يعيش على شجرة ، ويتداوى بالتمرغ في الطين ، وبالتجربة والخطأ وبشيئ من الإلهام اكتشفَ النار ولمس مقدار السحرالمخزون  في حجر الصوّان ، وحين بالمصادفة وقع جزء صغير من طرائده في النار ، وشمَّ رائحة الشواء ، تحوَّلَ من فنانٍ  متوحشٍ شاردٍ ينام ويمارس الجنس ويرسمُ بلاهاته على جدران كهوف "دورودوني" إلى  مجرّد متحضر نذل  . 
كان جدّنا الإنسان حيواناً نبيلاً لا يعرف الطمع ، ويتوقف عن الصيد حين يشبع ، ويكف عن اشتهاء المرأة العارية الجالسة إلى جواره بمجرد نظرة غاضبة من مالكها الموصوف بأنه "نياندرثال" ، وهذا الأمر موثَّق بالفلم العبقري "حرب النار" . وشيئاً فشيئاً يستر جدّنا عورته ، ويتعلم كيف يزرع وكيف يخبئ غلال الأرض لنفسه ، ويحرم جاره من الغلال حين ينهشه  الجوع ، فيضطر الأخير  مُرْغماً على تناول وتبادل وجبات القمل المنتشر في رأسه ورؤوس أفراد عائلته ، وفقاً  لما كتبه وِلْ ديورانت في "قصة الحضارة" . 
 كان أجدادنا  المتحيونون  البدائيون القدماء الأوائل  يضعون  مرضاهم بعناية في أماكن مكشوفة ، كي يداويهم الذي يستطيع من بين العابرين ، أي أنهم كانوا يعرفون معنى الشفقة ، ويناضلون ضد الألم .  لكن هذا الجد الهمجي ، حين ارتقى عقله البدائي قليلاً وتعلم السحر ، اقتضى ذلك منه لإثبات سطوته أن يأكل لحم أخيه ، وعودوا إن شئتم إلى كتاب ليفي بريل "العقلية البدائية" لتتبينوا كيف تحول جدّكم  وجدّي  من همجي محترم إلى نذل ! واحتاج الأمر فقط إلى حوالي 30  ألف سنة .
الإنسان وحده من بين كل الحيوانات الأخرى يرتقي وينحط .  هكذا ينظر  أرنولد توينبي  للإنسان في كتابه "تاريخ البشرية" ، فهو يرتقي وينحط بالتناوب ، من همجي محترم إلى نذل كما أسلفت ، وفقاً لعوامل التحدي والإرتخاء . تفكير سليم ، ولكنني أضيف إلى الأسباب سبباً مهماً هو موضوع السلالات منذ تلمست في طفولتي صراخ أهل دير الزور وسلالاتهم الخالدة : البكارة ، الخرشان ، البورباح ، المعامرة .
النحل نحل ، والنمل نمل ، والحمير حمير ، والأفيال أفيال ، وكل فرد من هؤلاء لايعي أية فروق أو صفات داخل السلالة ، ووحده الهمجي المحترم تورط وبدأ يعي ويكتشف فروقاً هائلة بين أفراد السلالة الواحدة وفي السلالات السبع وفقاً لتصنيف "تشيبوسكاروف" ، أو الأنماط الـ 48 وفقاً لتصنيف "بوناك" ، وكلما اتسعت قاعدة الإختلافات : لون البشرة ، الأنف ، بروز الفك ، الشفة ، حجاج العين ، ازدادت عدوانيته وتقهقر إلى نذل ! ويأتي الإنثربولوجيون الأوغاد ، وينفتح بمجيئهم جحيم تصنيف الإنسان  على مصراعيه ، ولا يبقى الموضوع مقتصراً على النياندرثالي والكرومانيون فحسب ، بل أضيف إليهما : الجاوي ، البولينيزي ، الأسترالي ، الميلانيزي ، التاسماني ، الزنجي ، الأوروبي ، المغولي ، الهندي ... صار الهمجي المحترم نذلاً  ، وانحط  الهمجي بعد ارتقاء مؤقت بعد تفشّي جائحة  الداء السُلالي .
الهمجي المحترم وخلال مليون سنة لم يدخل في حروب إبادة طاحنة لبني جنسِه . حين صار نذلاً ارتكب حروب إبادة ، فأباد الرجل الأبيض كل الهنود الحمر في أمريكا ، وأباد الرجل الأبيض أيضاً الأسترالي القديم ، وصارت الحروب عادة والنذالة خُلقاً . 
هكذا صار التاريخ الإنساني تاريخاً لمحطات النذالة ، وتاريخاً لسِيَرِ الأبطال الأنذال : من جنكيز خان إلى نابليون ، ومن الإسكندر المقدوني إلى هتلر ، ومن ماركوس أنطونيوس إلى جورج بوش الإبن . قياصرة وكساسرة وجنرالات . وكلما تناسلت السلالات الكبرى إلى سلالات فرعية أصغر ، وكلما أُضيف إلى الفروع سمات  عِرقية وفكرية وعقائدية وطائفية ومذهبية وحزبية استعرت نيران الحروب بين الأنذال . 
ـ من أجل تصحيح أوضاع سلالة ذوي البشرة السوداء اندلعت الحرب الأهلية  الأمريكية ، ولعلكم تذكرون الفظائع التي صورتها هوليود في تلك السنوات الغابرة .
ـ  في أوروبا ، غاليُّون وفايكينغ وجرمان وسكسون مع قليل من التوابل الكاثوليكية والبروتستانتية ، وعائلات ملكية وكنائس وفقراء ، وكل هذه الخَلْطة محقونة بمصل السلالات ، وبسببها ، اجتاحت أوروبا حروب أهلية وثنائية فتكت بمئات الآلاف .
ـ  سلالات فاشية ونازية وشيوعية واشتراكية والمزيد من الحروب النذلة . حروبُ سلالاتٍ آثمةٍ في كوريا واليابان . 
ـ سلالتان  قبليتان في رواندا مدججتان بالحماقة والغباء ، هما الهيتو والتوتسي ، حيث أقدمت السلالة الأولى على ذبح 800 ألف من السلالة الثانية خلال 100 يوم وبالسواطير المستوردة من الصين ، وتفاصيل الإبادة تجدونها في كتاب فنسان نوزيل "أسرار الرؤساء" .  
فماذا يمكننا القول عن سلالة قحطان وعدنان وعن تاريخ "جندب" العربي التليد ؟؟
في  أيام الجاهلية المشرقة كنا قبائل كبرى أو"جماجم" معدودات كما تقول العرب : غطفان وكنانة و هوازن و تميم و بكر بن وائل و عبد القيس       ومذحج و قضاعة والأزد . بين ثماني وتسع سلالات فقط ، ولذا كانت الغزوات والحروب أقل . 
تناسلت وتوالدت وتصالبت وتهاجنت وتراكبت  السلالات اليعربية  وباضَتْ فانكشف المستور ، وإذا بـ " خير أمة أخرجت للناس"  تُشيد صرحاً هائلاً للنذالة ، أي الكل يشن الحرب على الكل في الثلاثين سنة المنصرمة : حروب أهلية  متواترة في لبنان والجزائر والصومال والسودان والعراق وليبيا واليمن وسوريا ، وكل سلالة تقاتل أختها ، ولكل سلالة  أعلامها وجيناتها ومراجعها وشيوخها وأمراؤها وعقائدها وطوائفها ومساجدها وحسينياتها وكنائسها .
سلالات لا تُعَدّ ولا تحصى . مسلمون ، مسيحيون ، سُنَّة ، شيعة ، علويون حدادون وخياطون ، دروز ، موارنة ، أرمن ، أرثوذوكس ، وهّابيون ، حوثيّون ، أباضيون ، أكراد ، تركمان ، شركس ، أفغان ، شيشان ، كلدان ، علمانيون ، قوميون، اسماعيليون ، ليبراليون ، ديمقراطيون ، بعثيون ، شيوعيون ، أخوان ،  ديريون ، حماصنة ، أدالبة ، دوامنة ، حوارنة ، جبهة نصرة ،  داعش ، وسرايا وكتائب بالمئات . 
سلالات تدين بديانة الأميركان ، وأخرى تلتحق بالركب الروسي ، ومن تنسق مع السعودي ، ومن تحلف بشرف الإيراني ، ومن تتوضأ بـ         " إيفيان" الفرنسي ، وواحدة ترطن بالإنكليزية ، والذين على التخوم الشمالية يهزون رؤوسهم ويسبّحون قائلين بالتركية : شيكّوزال ، وإذا انسحبوا قليلا نحو الشرق وإلى رأس العين وقامشلو ردّدوا بالكرديّة : ياخوديه . 
بدينكم هل هذه أمّة أم مزاد ؟؟ 
 وإذ تختلط اللغات الصريحة بتقارير الإستخبارات ، والأديان بقناع الهرطقات ،  وأولاد الذوات باللقطاء ، والأساتذة بالجلاوذة ، والجهل بالمعرفة ، والوطنية باللصوصيّة، والعهر بالبطولة ، وحيث يحدث ذلك ، يمر الأنذال بسهولة ليشعلوا الفتن . أليس هذا ما يحصل اليوم في الخراب الممتد من دوما إلى دير الزور ؟؟
 وحين تذوب معاً كل الأشياء وتتداخل وتتشابك وتتقاطع :  المآرب والخوّات والحشيش والسلاح والويسكي والمقالات التي تُنَظّر  لمسيرة الحرية والعدالة ، يمكن للنذل أن يتسلل من وراء ظهرك ، ليلقي إكسير نذالته على أشلاء كل "القتلى"  في كل الجبهات ومن كل السلالات  ، ويضحك في سرّه حين يدفنهم في قبور النسيان ، وبعد المشاركة في طقوس جنازاتهم ، يجتمع  النذل مع الأنذال الآخرين بعيداً عن العين ، في ثكنة أو سرداب أو غرفة داخل فندق فخم ذي خمس نجوم (*)، ليقوموا بإحصاء  عوائدهم الماليّة ، في الوقت نفسه الذي يسيل فيه دم الأتقياء الشرفاء الأبرياء الذين لاحولَ لهم في لعبة الأقوياء الكبار . 
أيها الهمجي المحترم : قف على باب مغارتك المعتمة وابصق على كل تجار الدم  الأنذال الذين يديرون رحى حروبنا العبثية في كل مضارب العرب وتحت سقوف خيامهم ، واغسل يديك من نتن السلالات ، واعطني  فسحة من الوقت لأشرب فنجان قهوتي ، وأعالج صداع رأسي بحبّة أسبرين ، كي أعود إلى مغارتك التي لاتحمل ولو نجمة (*) واحدة  ، لعلّني أنام نومة أهل الكهف على مقربة منك ، وأحلم بسقوط السلالات جميعاً ، وأحلم أيضاً بكنس النذل المتشبّث بأذيالي !!! 
الكويت 15/5/2014

رد ‏على ‏مقالة ‏د.نزار ‏العاني ‏بعنوان الهمجي ‏والسلالات

رحلة المليون سنه 
من الياذة نزال الأبطال مع الآلهة المبتَدعه 
إلى أوديسة النذاله بين العصابات المخترَقه
أجدتَ وأبدعتَ حين استعرضتَ وسردتَ 
كان هذا نزار من نور تخلل عبر أصلاب الإنسان على مدى الزمان
متميز بلين الحزم في القول واللباقة في السرد.. فصاحب الإسم ذو لسان طيب وكلام عذب. 
يقف بجوار من يحتاجه ويساعده ويمد يد العون للجميع يتميز بالمرح والبشاشة ويدخل البهجة والسعادة على من يعرفهم. 
إنسان قوي يتمتع بالصبر والعزيمة ولديه القدرة علي تحمل المسئولية ويُعتمد عليه.  
يتميز بالوسامة والأناقة.. يهوى الممارسة  كمثقف.. يحب القراءة والإطلاع في كل مجالات الحياة كما أنه يعشق سماع أحبته ويحلو بحلاوة معشرهم.. اجتماعي محبوب من الجميع يتميز بالنجاح والتفوق
 طموح يكره الفشل ويحب أن يكون مميزا ومتفردا. شخصية نشيطة ممتلئة بالحيوية والتفاؤل 
 شخص يثق كثيرا في نفسه ويعتز بكرامته
هنيئا لنا بك في (نزرك ونثرك )ودمت لنا ذخراً في (عنائك ونبلك)...

الأربعاء، 31 مارس 2021

هي الحياة مد وجزر ‏ ‏ لغاده رفاعي ‏رستم ‏

دعك من الحزن صديقي
هي الحياة مد وجزر
سماؤنا يوم هلال،،،، ويوم بدر
والعمر موج بحر
يوم  صاف،،، ويوم غدر
فرحة قد يتلوها قهر
وعتمة يبددها فجر
قد نمسي على حزن وكدر
ونصحوا على نور وزهر 
فلا تياس وتجمل بالصبر
لا شيء يدوم 
هو العمر مد وجزر

الخميس، 25 مارس 2021

أطالبكم بالكتمان

 د. نزار العاني
تقديم :
بدأتُ الكتابة والنشر في جريدة الثورة السورية وأنا في مطالع العشرين من العمر ، دون واسطة ،إذ كنت أتهيّب الدخول إلى جريدة يدير ملحقها أدونيس وياسين رفاعية وشوقي بغدادي ومعين بسيسو و كمال أبو ديب لأتوسط لكلماتي فرصة المرور، وذلك لخوفي من لقاء أحدهم وهم الأيقونات الأدبية لذلك الزمان (1964) ،  ومع ذلك نُشرت وتسربت لي مقالات على صفحة كاملة ، وكتبتُ ونشرتُ خلال ستين سنة ما يكفي لإصدار عشرات الكتب وأحجمت عن فعل ذلك ، وما أزال أكتب ، وأعترف دون خجل ، بعد تجربة ثقافية واسعة ، وتحصيل معرفي وأكاديمي جاد ورصين ، أن قناعاتي القديمة حول جدوى الكتابة والثقافة قد انحرفت وتبدلت تماماً واستدارت كما سأشرح !
رؤى الماضي البعيد :
في العاشرة من العمر تلمست يداي كتاب (الزاد) ، وهو كتاب مدرسي أدبي لأحد أشقائي  للمرحلة الإعدادية آنذاك (1952) يضم المعلقات وغيرها . وبهرتني كتب عظيمة في خزانة كتب بيتنا ، أحدها لعبد الحق فاضل عن عمر الخيام الفلكي الرياضي والشاعر الكبير ، وكتاب لشكيب أرسلان ، واعترافات جان جاك روسو ، وروايات وقصص ومجلات فنية ( مجلة حواء لشقيقتي ، والفصول والمختار ) ، وكان أن أصبتُ بعدوى وباء ومرض القراءة طفلاً صغيراً ، ولم ينصحني أحد بأخذ اللقاح المناسب ، وهكذا تحولتُ إلى معوّق ومن ذوي الاحتياجات الخاصة لمصل الثقافة وفيتامينات المعرفة إلى يومنا هذا وأنا في الثمانين ، وتفاقمت الحالة إلى داءٍ عضال حملته جينات الإغريق واستوطن أثينا ، واسمه الفكر ، وإذا استعصى على الشفاء تطور إلى فلسفة .
ذلك الشغف المرضي والإعاقة المبكرة تحولت عندي إلى عقدة نفسية . كل من لا يعرف شكيب أرسلان ، ولم يسمع باسم عمر الخيام ، وخانته ظروفه ولم يقرأ جان جاك روسو، هو عندي  (سبيعي) لم يكتمل حمله في رحم أمه ، وأورثني هذا الوضع الشعور العميق بالغربة عن أقراني . 
وتكرست ورطتي حين عصف بي شعور التقديس لكل منمنمات :
1- الثقافة 
2- المعرفة 
3- العلم 
4- الفكر
5- الفلسفة

 وأن الإيمان بهذه العناصر هي أركان الحياة الوطيدة ، وغيرها قبض الريح ، وجنحَ عقلي إلى رؤى خيالية ، وأحيانا زائفة ، تجعل المثقف عندي بمرتبة قديس ،  والعارف ببردة نبي ، والعالم عندي فوق الأولياء ، والمفكر بهيئة قائد ، والفيلسوف سيد العقل والحكمة . وأعلن اليوم إنني  في حِلٍ من هذه المقولات المهترئة ، وأكملوا القراءة  لتعرفوا السبب ، ويزول العجب !
رؤى الحاضر الجديد :
وأنا أغط في نومي العميق والعتيق ،  هانئا بأحلام يقظة تتسامى بالثقافة إلى سدرة المنتهى ، وإذ بالربيع العربي يفاجئ أحلامي بداعش وأخواتها ، ويتدفق في واقعي المرئي المشخص والمحسوس أنهار من الدم ، وتغمرني بحيرات يمخر في مياهها تماسيح الفتنة والضلال ، ويلعلع صوت الرصاص وأزيز الطائرات وصدى المدافع الهادرة ، وانفجارات الألغام ومشاهد قطع الرؤوس ، والذبح على الهوية ، وقصف الشعارات والشعارات المضادة ، وإذ بعمر الخيام ملاحقاً وملعوناً وكافراً ومجوسياً وفارسياً يداهمه النيروز بقطع لسانه وتكفير خمرياته ، وإذ بشكيب أرسلان الدرزي وواسطة عقد مؤلفاته (حاضر العالم الإسلامي) تحت أحذية التطرف والتكفير والتكبير، وإذ بـ (العقد الاجتماعي) لجان جاك روسو تنفرط حبّاته إلى يهودي ومسيحي ومسلم ، وينفرط الإسلام إلى 73 فرقة ، يقال واحدة ناجية ، والأخريات داجية وساجية وهاجية وراجية وعاجية .....
فكيف لي أن لا أراجع مواقفي وقناعاتي وآرائي وأستقيل من جمهورية الجهل ؟ واسمحوا لي إذن أن أغادر (رؤى الماضي البعيد) غير نادم ، وأنفض يدي من (رؤى الحاضر الجديد) غير آسف ، وأنحو صوب (رؤى المستقبل البليد) لعالم تنهار قيم ثقافته ، وتهتز أركان معرفته ، وتتعقد إشكاليات علمه ، وتتردّى مقومات فكره ، وتنمحي معالم فلسفته ! 
لقد قالها ت. س إليوت في قصيدته " الأرض اليباب" حين وصف الأرض وصرخ بوجع : (أي الغصون تنمو في هذه المزبلة الصلبة؟). وكثيرون من المثقفين المعاصرين يرتابون من مزبلة عصرنا الملعون هذا ، وأنا منهم .
 يكتب المفكر أمين معلوف في كتاب "الهويات القاتلة، ص 138" : (لا شك أن الريبة هي إحدى المفردات الأساسية في عصرنا :الريبة من الإيديولوجيات ومن الغد المشرق ، الريبة من السياسة والعلم والعقل والحداثة ، الريبة من فكرة التقدم ومن كل ما آمنا به خلال القرن العشرين عملياً ). وليس غريباً هذا التشاؤم المنطقي لكاتب مثقف مثل أمين معلوف ، شرح في كتابه "اختلال العالم" أسباب هذا الاختلال بالتفصيل .
 وأنا أرى سبب اختلال العالم  في تهميش الثقافة والمثقفين ، وتسطيح المعرفة والعارفين ، وتجاوز العلم والعالمين ، ونبذ الفكر والمفكرين ، ونحر الفلسفة والمتفلسفين ، وقمع الأدب والمتأدبين ، من جهة ،  وإعلاء شأن التجارة والمتاجرين ، وتصعيد العسكرة والعسكريين ، ورفع الصناعة والصناعيين ، وطغيان الحروب والمتحاربين ، وتشريف الزيف والزائفين ، من جهة ثانية !
إن عالم الصيارفة والبنوك واللصوص والمرابين والمهربين  ومتاريسهم ودكاكينهم ، لامكان فيه للثقافة والمثقفين ، ولا مكان فيه للشعر والشعراء ، ولامكان فيه للأدب والأدباء ، ولذا فأنا أعلن حزني وخيبتي وأسفي على حراثتي في بحر الثقافة لستين سنة دون أن أحصد سنبلة واحدة ، وأعلن انسحابي من فضاء الثقافة الرائع ، وأترك الساحة لأصحاب الشأن من الأكابر المحترمين : المثقف الكبير سامر فوز ،  والعارف النطاسي وسيم قطان ، والعالم اللوذعي علي أبو خضر ، والمفكر الكبير  نبيل نفيسة ، والفيلسوف القدير بوز الجدي .
وبالأصالة عن نفسي ، ونيابة عن بعض المثقفين الراحلين من الديريين حصراً كي لا أتجاوز حدود محافظتي ومسقط رأسي فيعتب علي أهل السلمية مثلاً :
 المثقف  الفقير ياسين الحافظ ، والعارف الفهيم اسماعيل العرفي ، والعالم الرياضي صباح بقجه جي ، والمفكر الشهير جلال السيد ، والفيلسوف الحكيم محمد الفراتي ، والأديب الألمعي سعد صائب ، نعتذر ونستقيل من (المزبلة الصلبة ) كما سمّى  ت.س إليوت أرض المعمورة ، وننسحب من عصرنا ،  أنا والذين جرى ذكرهم أعلاه من أهلي وعشيرتي ، ونطلب منكم السماح  عن موقفنا المتخاذل والمتراجع والنكوصي  ، وأعدكم وحدي بالتراجع عن استقالتي من جمهورية (باب الحارة)  ،  إذا فاز نادي الفتوة ببطولة كأس العالم للأندية ، وباض الديك الفرنسي ، وطارت الدجاجة اللبنانية من مطار رفيق الحريري إلى مطار شارل ديغول !!!!! 
 وأستحلفكم أن تستروا هذه (الردّة)  الصريحة ، وأطلب العفو من سيف أبي بكر الصديق ، وأطالبكم بالكتمان كي لا يقطع عنقي "العريف غضبان" ، بطل قصة صديقي المثقف حسن. م يوسف ، وكي لا يعلن صديقي الشاعر نزيه أبو عفش العداء والخصومة بيننا ، بسبب تعثري وسفاهتي ونزاهتي ! 
دمشق 24 آذار 2021

الاثنين، 15 مارس 2021

لبنان بين الإستعصاء السياسي والإنهيار الإقتصادي



 لبنان أزمة مركبة بنيوية، سياسية، اقتصادية واخلاقية، لم يسبق له أن شهدها على مدار تاريخه المعاصر. الانهيار المريع لا ينحصر في تجاوز سعر الدولار عتبة أحد عشر الف ليرة في السوق الموازية، بل يتمثل في استعصاء سياسي مع الفشل في تشكيل الحكومة العتيدة منذ آب/اغسطس الماضي، كذلك فِي تمادي المنظومة المتحكمة بإنتهاك حقوق المواطنين مع الأزمة المعيشية الخانقة واستمرار حجز الودائع، وأيضاً في عدم استكمال وتمييع التحقيق في فاجعة المرفأ من أجل حماية خفية للمرتكبين والمهملين واحتقاراً للضحايا وعدم الإهتمام بتدمير نصف العاصمة وتضييع دور لبنان كنافذة للمشرق على العالم.
وسط هذا الظلام يتم التهويل على اللبنانيين بالعتمة الشاملة من وزير الطاقة مع العلم أن الهدر والإنفاق على الكهرباء هو السبب في أكثر من اربعين بالمئة من المديونية العامة. وفي زمن جائحة كورونا يهجر الأطباء لبنان ومثلهم الكثير من المهندسين والكفاءات. وتطال الازمة بالطبع القوى الأمنية والجيش مع مخاطر انعكاسات ذلك ...
ولا يتردد وزير داخلية تصريف الاعمال بالكلام عن الفوضى والتفلت.
من خلال تسلسل الاحداث في الشهور الماضية، يتضح أن وزير الخارجية الفرنسي جان- ايف لودريان كان على حق عندما حذر في تموز/ يوليو الماضي من " زوال لبنان" على مشارف مئوية تأسيس كيانه ،والتي كانت فرنسا عرابه. وهو لا يقصد التضاريس بل الدولة..
 ومع إفشال المبادرة الفرنسية لبدء الإنقاذ من قبل أطراف داخلية وإقليمية، وصل الامر بلودريان، هذا الأسبوع، لإطلاق صرخة للإنقاذ قبل فوات الاوان معتبرا ان المسؤولين اللبنانيين " مذنبون" بحق وطنهم. لكن هذا التعميم وتجهيل الفاعلين الحقيقيين للتعطيل سيُبقي الجهد الفرنسي معطلاً والأفضل ان يقترن برعاية دولية- عربية تفرض حلًا إنقاذيا مع تحرير لبنان من الإرتهان للعبة المحاور وإعتبار مبادرة البطريرك الراعي إسهاما اساسيا في بلورة دعم دولي لنأي لبنان بنفسه عن صراعات الاخرين والإسراع بإيجاد حلول عاجلة لوقف الإنهيار الإقتصادي وتشكيل حكومة مهمة للإصلاحات الطارئة وإذا تعذر ذلك فلا بد من تدخل دولي ملزم لإيجاد صيغة إنتقالية تحمي بلاد الأرز من النزول الى قعر جهنم...أو تحويرها بإستنساخ جديد- قديم تحت إشراف المجموعه الدوليه يطلق عليه سويسرا الشرق

الجمعة، 12 مارس 2021

عزاء ‏الوالد ‏بعد ‏١٤ ‏سنه

رحم الله والدي و فقيدي وحبيبي و رفيقي الغالي والعزيز إلى قلبي والعزيز إليه تعالى الذي غرس فيَّ عز الكرامة والثقافه وعز العلم والأدب ونمّى لي غريزة اللطف والحزم وصفة الدقه والحس المرهف و موهبة الإنسانيه وحب الخير والإحسان و ود الناس والعطف على المسكين والشهامة مع الصديق
 أسكنه الله فسيح جناته وانا لله وانا اليه راجعون