الأربعاء، 31 مارس 2021

هي الحياة مد وجزر ‏ ‏ لغاده رفاعي ‏رستم ‏

دعك من الحزن صديقي
هي الحياة مد وجزر
سماؤنا يوم هلال،،،، ويوم بدر
والعمر موج بحر
يوم  صاف،،، ويوم غدر
فرحة قد يتلوها قهر
وعتمة يبددها فجر
قد نمسي على حزن وكدر
ونصحوا على نور وزهر 
فلا تياس وتجمل بالصبر
لا شيء يدوم 
هو العمر مد وجزر

الخميس، 25 مارس 2021

أطالبكم بالكتمان

 د. نزار العاني
تقديم :
بدأتُ الكتابة والنشر في جريدة الثورة السورية وأنا في مطالع العشرين من العمر ، دون واسطة ،إذ كنت أتهيّب الدخول إلى جريدة يدير ملحقها أدونيس وياسين رفاعية وشوقي بغدادي ومعين بسيسو و كمال أبو ديب لأتوسط لكلماتي فرصة المرور، وذلك لخوفي من لقاء أحدهم وهم الأيقونات الأدبية لذلك الزمان (1964) ،  ومع ذلك نُشرت وتسربت لي مقالات على صفحة كاملة ، وكتبتُ ونشرتُ خلال ستين سنة ما يكفي لإصدار عشرات الكتب وأحجمت عن فعل ذلك ، وما أزال أكتب ، وأعترف دون خجل ، بعد تجربة ثقافية واسعة ، وتحصيل معرفي وأكاديمي جاد ورصين ، أن قناعاتي القديمة حول جدوى الكتابة والثقافة قد انحرفت وتبدلت تماماً واستدارت كما سأشرح !
رؤى الماضي البعيد :
في العاشرة من العمر تلمست يداي كتاب (الزاد) ، وهو كتاب مدرسي أدبي لأحد أشقائي  للمرحلة الإعدادية آنذاك (1952) يضم المعلقات وغيرها . وبهرتني كتب عظيمة في خزانة كتب بيتنا ، أحدها لعبد الحق فاضل عن عمر الخيام الفلكي الرياضي والشاعر الكبير ، وكتاب لشكيب أرسلان ، واعترافات جان جاك روسو ، وروايات وقصص ومجلات فنية ( مجلة حواء لشقيقتي ، والفصول والمختار ) ، وكان أن أصبتُ بعدوى وباء ومرض القراءة طفلاً صغيراً ، ولم ينصحني أحد بأخذ اللقاح المناسب ، وهكذا تحولتُ إلى معوّق ومن ذوي الاحتياجات الخاصة لمصل الثقافة وفيتامينات المعرفة إلى يومنا هذا وأنا في الثمانين ، وتفاقمت الحالة إلى داءٍ عضال حملته جينات الإغريق واستوطن أثينا ، واسمه الفكر ، وإذا استعصى على الشفاء تطور إلى فلسفة .
ذلك الشغف المرضي والإعاقة المبكرة تحولت عندي إلى عقدة نفسية . كل من لا يعرف شكيب أرسلان ، ولم يسمع باسم عمر الخيام ، وخانته ظروفه ولم يقرأ جان جاك روسو، هو عندي  (سبيعي) لم يكتمل حمله في رحم أمه ، وأورثني هذا الوضع الشعور العميق بالغربة عن أقراني . 
وتكرست ورطتي حين عصف بي شعور التقديس لكل منمنمات :
1- الثقافة 
2- المعرفة 
3- العلم 
4- الفكر
5- الفلسفة

 وأن الإيمان بهذه العناصر هي أركان الحياة الوطيدة ، وغيرها قبض الريح ، وجنحَ عقلي إلى رؤى خيالية ، وأحيانا زائفة ، تجعل المثقف عندي بمرتبة قديس ،  والعارف ببردة نبي ، والعالم عندي فوق الأولياء ، والمفكر بهيئة قائد ، والفيلسوف سيد العقل والحكمة . وأعلن اليوم إنني  في حِلٍ من هذه المقولات المهترئة ، وأكملوا القراءة  لتعرفوا السبب ، ويزول العجب !
رؤى الحاضر الجديد :
وأنا أغط في نومي العميق والعتيق ،  هانئا بأحلام يقظة تتسامى بالثقافة إلى سدرة المنتهى ، وإذ بالربيع العربي يفاجئ أحلامي بداعش وأخواتها ، ويتدفق في واقعي المرئي المشخص والمحسوس أنهار من الدم ، وتغمرني بحيرات يمخر في مياهها تماسيح الفتنة والضلال ، ويلعلع صوت الرصاص وأزيز الطائرات وصدى المدافع الهادرة ، وانفجارات الألغام ومشاهد قطع الرؤوس ، والذبح على الهوية ، وقصف الشعارات والشعارات المضادة ، وإذ بعمر الخيام ملاحقاً وملعوناً وكافراً ومجوسياً وفارسياً يداهمه النيروز بقطع لسانه وتكفير خمرياته ، وإذ بشكيب أرسلان الدرزي وواسطة عقد مؤلفاته (حاضر العالم الإسلامي) تحت أحذية التطرف والتكفير والتكبير، وإذ بـ (العقد الاجتماعي) لجان جاك روسو تنفرط حبّاته إلى يهودي ومسيحي ومسلم ، وينفرط الإسلام إلى 73 فرقة ، يقال واحدة ناجية ، والأخريات داجية وساجية وهاجية وراجية وعاجية .....
فكيف لي أن لا أراجع مواقفي وقناعاتي وآرائي وأستقيل من جمهورية الجهل ؟ واسمحوا لي إذن أن أغادر (رؤى الماضي البعيد) غير نادم ، وأنفض يدي من (رؤى الحاضر الجديد) غير آسف ، وأنحو صوب (رؤى المستقبل البليد) لعالم تنهار قيم ثقافته ، وتهتز أركان معرفته ، وتتعقد إشكاليات علمه ، وتتردّى مقومات فكره ، وتنمحي معالم فلسفته ! 
لقد قالها ت. س إليوت في قصيدته " الأرض اليباب" حين وصف الأرض وصرخ بوجع : (أي الغصون تنمو في هذه المزبلة الصلبة؟). وكثيرون من المثقفين المعاصرين يرتابون من مزبلة عصرنا الملعون هذا ، وأنا منهم .
 يكتب المفكر أمين معلوف في كتاب "الهويات القاتلة، ص 138" : (لا شك أن الريبة هي إحدى المفردات الأساسية في عصرنا :الريبة من الإيديولوجيات ومن الغد المشرق ، الريبة من السياسة والعلم والعقل والحداثة ، الريبة من فكرة التقدم ومن كل ما آمنا به خلال القرن العشرين عملياً ). وليس غريباً هذا التشاؤم المنطقي لكاتب مثقف مثل أمين معلوف ، شرح في كتابه "اختلال العالم" أسباب هذا الاختلال بالتفصيل .
 وأنا أرى سبب اختلال العالم  في تهميش الثقافة والمثقفين ، وتسطيح المعرفة والعارفين ، وتجاوز العلم والعالمين ، ونبذ الفكر والمفكرين ، ونحر الفلسفة والمتفلسفين ، وقمع الأدب والمتأدبين ، من جهة ،  وإعلاء شأن التجارة والمتاجرين ، وتصعيد العسكرة والعسكريين ، ورفع الصناعة والصناعيين ، وطغيان الحروب والمتحاربين ، وتشريف الزيف والزائفين ، من جهة ثانية !
إن عالم الصيارفة والبنوك واللصوص والمرابين والمهربين  ومتاريسهم ودكاكينهم ، لامكان فيه للثقافة والمثقفين ، ولا مكان فيه للشعر والشعراء ، ولامكان فيه للأدب والأدباء ، ولذا فأنا أعلن حزني وخيبتي وأسفي على حراثتي في بحر الثقافة لستين سنة دون أن أحصد سنبلة واحدة ، وأعلن انسحابي من فضاء الثقافة الرائع ، وأترك الساحة لأصحاب الشأن من الأكابر المحترمين : المثقف الكبير سامر فوز ،  والعارف النطاسي وسيم قطان ، والعالم اللوذعي علي أبو خضر ، والمفكر الكبير  نبيل نفيسة ، والفيلسوف القدير بوز الجدي .
وبالأصالة عن نفسي ، ونيابة عن بعض المثقفين الراحلين من الديريين حصراً كي لا أتجاوز حدود محافظتي ومسقط رأسي فيعتب علي أهل السلمية مثلاً :
 المثقف  الفقير ياسين الحافظ ، والعارف الفهيم اسماعيل العرفي ، والعالم الرياضي صباح بقجه جي ، والمفكر الشهير جلال السيد ، والفيلسوف الحكيم محمد الفراتي ، والأديب الألمعي سعد صائب ، نعتذر ونستقيل من (المزبلة الصلبة ) كما سمّى  ت.س إليوت أرض المعمورة ، وننسحب من عصرنا ،  أنا والذين جرى ذكرهم أعلاه من أهلي وعشيرتي ، ونطلب منكم السماح  عن موقفنا المتخاذل والمتراجع والنكوصي  ، وأعدكم وحدي بالتراجع عن استقالتي من جمهورية (باب الحارة)  ،  إذا فاز نادي الفتوة ببطولة كأس العالم للأندية ، وباض الديك الفرنسي ، وطارت الدجاجة اللبنانية من مطار رفيق الحريري إلى مطار شارل ديغول !!!!! 
 وأستحلفكم أن تستروا هذه (الردّة)  الصريحة ، وأطلب العفو من سيف أبي بكر الصديق ، وأطالبكم بالكتمان كي لا يقطع عنقي "العريف غضبان" ، بطل قصة صديقي المثقف حسن. م يوسف ، وكي لا يعلن صديقي الشاعر نزيه أبو عفش العداء والخصومة بيننا ، بسبب تعثري وسفاهتي ونزاهتي ! 
دمشق 24 آذار 2021

الاثنين، 15 مارس 2021

لبنان بين الإستعصاء السياسي والإنهيار الإقتصادي



 لبنان أزمة مركبة بنيوية، سياسية، اقتصادية واخلاقية، لم يسبق له أن شهدها على مدار تاريخه المعاصر. الانهيار المريع لا ينحصر في تجاوز سعر الدولار عتبة أحد عشر الف ليرة في السوق الموازية، بل يتمثل في استعصاء سياسي مع الفشل في تشكيل الحكومة العتيدة منذ آب/اغسطس الماضي، كذلك فِي تمادي المنظومة المتحكمة بإنتهاك حقوق المواطنين مع الأزمة المعيشية الخانقة واستمرار حجز الودائع، وأيضاً في عدم استكمال وتمييع التحقيق في فاجعة المرفأ من أجل حماية خفية للمرتكبين والمهملين واحتقاراً للضحايا وعدم الإهتمام بتدمير نصف العاصمة وتضييع دور لبنان كنافذة للمشرق على العالم.
وسط هذا الظلام يتم التهويل على اللبنانيين بالعتمة الشاملة من وزير الطاقة مع العلم أن الهدر والإنفاق على الكهرباء هو السبب في أكثر من اربعين بالمئة من المديونية العامة. وفي زمن جائحة كورونا يهجر الأطباء لبنان ومثلهم الكثير من المهندسين والكفاءات. وتطال الازمة بالطبع القوى الأمنية والجيش مع مخاطر انعكاسات ذلك ...
ولا يتردد وزير داخلية تصريف الاعمال بالكلام عن الفوضى والتفلت.
من خلال تسلسل الاحداث في الشهور الماضية، يتضح أن وزير الخارجية الفرنسي جان- ايف لودريان كان على حق عندما حذر في تموز/ يوليو الماضي من " زوال لبنان" على مشارف مئوية تأسيس كيانه ،والتي كانت فرنسا عرابه. وهو لا يقصد التضاريس بل الدولة..
 ومع إفشال المبادرة الفرنسية لبدء الإنقاذ من قبل أطراف داخلية وإقليمية، وصل الامر بلودريان، هذا الأسبوع، لإطلاق صرخة للإنقاذ قبل فوات الاوان معتبرا ان المسؤولين اللبنانيين " مذنبون" بحق وطنهم. لكن هذا التعميم وتجهيل الفاعلين الحقيقيين للتعطيل سيُبقي الجهد الفرنسي معطلاً والأفضل ان يقترن برعاية دولية- عربية تفرض حلًا إنقاذيا مع تحرير لبنان من الإرتهان للعبة المحاور وإعتبار مبادرة البطريرك الراعي إسهاما اساسيا في بلورة دعم دولي لنأي لبنان بنفسه عن صراعات الاخرين والإسراع بإيجاد حلول عاجلة لوقف الإنهيار الإقتصادي وتشكيل حكومة مهمة للإصلاحات الطارئة وإذا تعذر ذلك فلا بد من تدخل دولي ملزم لإيجاد صيغة إنتقالية تحمي بلاد الأرز من النزول الى قعر جهنم...أو تحويرها بإستنساخ جديد- قديم تحت إشراف المجموعه الدوليه يطلق عليه سويسرا الشرق

الجمعة، 12 مارس 2021

عزاء ‏الوالد ‏بعد ‏١٤ ‏سنه

رحم الله والدي و فقيدي وحبيبي و رفيقي الغالي والعزيز إلى قلبي والعزيز إليه تعالى الذي غرس فيَّ عز الكرامة والثقافه وعز العلم والأدب ونمّى لي غريزة اللطف والحزم وصفة الدقه والحس المرهف و موهبة الإنسانيه وحب الخير والإحسان و ود الناس والعطف على المسكين والشهامة مع الصديق
 أسكنه الله فسيح جناته وانا لله وانا اليه راجعون

الاثنين، 1 مارس 2021

الغزل والحب في زمن الكورونا د . نزار العاني

يبست الأعشاب في مرج أحلامي ، وأغمد الربيع العبري ( العبري !) خنجره في قلبي الذابل وتكوّم الحب مشلولاً بلا حراك عاطفي تحت نوافذي، وران الصمت وتوقف حوار الغيمة البيضاء الناصعة لزرقة سماء يتيمة .
موشحاتي المموسقة ياكلها النعاس ،والأغنيات يعلوها غبار الوسن ، وألحان حنين ولهفة الشباب للغرام يغتالها غلاء الأسعار ، يا للعار ، والشوق للعناق أرداه صريعاً رصاص المطالبين بالحرية ، وأكاذيب ومسامرات العشاق توارت خجلى وراء شعارات السعي للمجد الفضفاضة .
الزعتر البري ، شقائق النعمان ، إكليل الجبل ، الريحان ، ورعيل من المفردات واللغات والهمسات مسحها جميعاً نداء الرغيف ، وجيل جديد من المفردات : زيت ، ضلع خروف مشوي ، فلافل ، بروستد سياحي ، هريسة ..... والقلب في مخاض الهجانة بين لغة الروح ولغة البطن ، يتكىء على أعمدة الوهم والأمل في عمارة وطن يغفو من الإرهاق والتعب . 
يبس العشب وصار الوجود قاحلاً . انقصفت رقاب الحكمة والمعرفة وتقدمت الغرائز لترسم لنا المستقبل المسوّرٍ بالظن والشبهة . "ميدوزا" في أول الركب تمطرني بشرورها لتصنع مني صنماً حجرياً أخرس  ، ولا "أفروديت" واحدة تهبني حضناً وطلاقة لسان ، وتندس في أحلام يقظتي ومنامي وتتوسدني بأرجوحة مناغاةٍ وثرثرةٍ تزحلقني إلى خدود وردية شهية . ماذا اعترى الكون من ذهولٍ ونسيانٍ لطقوس الحبّ الخرافية ؟ 
ماذا اعترى المرأة اللاهثة وراء هموم إصلاح عيوب شكلها ، متناسية أن ينابيع أناملها تكفي لسقاية عصبة وعصابة من العِطاش لجمال راحة اليد . لعنة الجهل تغزو "عشتار" . معبدها خالٍ من الشموع والدموع . وما بال "فينوس" الوارثة لكنز الحب والجمال ، قد سقطت خامدة بين يدي جراح التجميل ، وهي تستعطي المارة شيئاً من الدولارات لنفخ شفة ، وتكبير صدر ، وتقويس حاجب ، وتظليل جفن ، وكل الذي يهم "نرسيس" أن يسمع تنهيدة حب ، وشهقة نهد مهجور .
"الحب في زمن الكورونا" استبدّ وطغى ، وألقى بستائره الداكنة على رائعة "ماركيز"  " الحب في زمن الكوليرا" ، إذ لم يعد بوسع "فلورينتينو إريثا" في زمن الكوليرا أن يطفئ لهيب عاطفة "فيرمينا داثا " بوردة بيضاء مضمخة بالندى ، ولا لمس ثوبها الرمادي كأرملة ، ولا المرور على جسدها الذي تفوح منه رائحة الصابون المنعشة . وها نحن نتخبط ونعوم في زمن الكورونا داخل بحيرة من القلق والشك والأقاويل ، وقد نسينا تماماً طعم القبل والعناق ، وصرنا نستعيد ما قاله الضابط في رواية "ماركيز" وقد تناثرت جثث الموتى التي تنتفخ تحت الشمس : لو الرب يحسّن من أساليبه .
أي حياة تلك التي طردنا منها "كيوبيد" الصغير وكسرنا قوسه الناعم ، وصادرنا رأس سهمه الذهبي الباعث للحب ، وأبقينا له الرأس الرصاصي الباعث للحقد والكراهية . 
كل ماحولنا بات غارقاً في الزيف والكذب والرياء  ، من باب بيتي إلى "باب الحارة" الشهير ، وهاجر الصدق يبحث عن شمس وقمر ونجوم تتألق في أرواحها المحبة والمودة والصداقة. 
النجوى ، الهمس ، الشوق ، الحنين ، الرهافة ، التوق ،التأمل ، الوجدان ، السرائر ، اللهفة ، الصبوة ، الرغبة ، الوَلَه ، وأكوام من هذه البضاعة الكاسدة التي فتح لها  "ابن حزم الأندلسي" دكاناً أغبرَ داكناً موحشاً ، وأطلق عليه إسماً راسخاً : (طوق الحمامة) . لكن ، وحين اكتسحت "المولات" الأسواق ، لم نعد نجد على الرفوف الناصعة البيضاء المرتبة سوى معلبّات البغضاء والغدر والجفاء والمقت  الأنيقة الفاخرة ، وطارت الحمامة وبقي الطوق .
العالم ليس عقلاً كما قال عبد الله القصيمي ! صرنا في هذا الزمن الموحش فئراناً في متاهة بألف بابٍ وباب . جمهوريات بلا جماهير ، مساجد بلا مصلّين ، حدائق بلا أشجار ، عربات بلا خيول ، موائد بلا طعام ، أقدام بلا أحذية ، مقاهي بلا زبائن ، سينمات بلا متفرجين ، ومسلسلات بلا نكهة ، وجيوب بلا نقود . حوالي خمسون غراماً فقط من فيروس سافل أصاب مائة مليون إنسان بالكورونا وقتل حوالي مليوني مغدور ، ووليمة الفيروس ما تزال عامرة بالمصابين والمغدورين والعشاق المخذولين  .
وداعاً أفروديت وعشتار وفينوس وكيوبيد بلا عودة . وأهلاً بـالإله  " آريس" رب  الحرب والهلاك والخراب ، ومعه "هيدز" وجحيمه المتنقل بين التجار والساسة ، وها أنذا أعلن استسلامي الكامل للإثنين ، وللدرك والجاندرما والمباحث ، وأعلن لكل نساء العالم إنني أنسحب مهزوماً من كل ساحات الغرام !
الأحد 28 شباط 2021 
*الصورتان لكيوبيد وآريس .

الأربعاء، 17 فبراير 2021

محتوى عقل حافظ أسد

منقولة:
لطالما شغلني السؤال عن محتوى عقل حافظ أسد، وما بداخله من أفكار وقيم وقواعد تشكل أسس أفعاله ومنطلقاتها وتبريراتها، والتي رددها كوصايا أوصى بها ولده باسل ومن ثم بشار من بعده، وهو يعدهما لوراثة سورية “كتركة” يتركها لهما كونها، وقد غدت بمثابة “ملك يمين”.

أفكار حافظ أسد وقيمه وقواعد عمله هي بمثابة “نظام التشغيل” بلغة البرمجيات أو “السوفت وير” الذي يحرك الأسد ونظامه. وهو نظام شفوي غير مكتوب وغير معلن. وأنا، مثل جميع السوريين، لم أسمع بنفسي وصايا حافظ أسد التي أوصى بها وريثه، ولم أسمع ممن سمع منه مباشرة أي من هذه الوصايا، ولكن يمكنني من خلال العيش في “سورية الأسد” ومراقبة سياسات النظام وأفعاله على مدى نصف قرن تقريبًا، أمضيت منها 18 عام في السجن بتهمة “وهن عزيمة الأمة”، وأنا ابن الساحل، وأفهم عقلية النظام وآليات عمله جيدًا، يمكنني أن أتصور “ماذا قال حافظ أسد لولديه وبماذا أوصاهم”، فالأفعال تنم عن خبايا الأفكار وعن النوايا وعن الوصايا. وبنتيجة ذلك أتصور أن حافظ أسد قد ردد على مسامع وريثه الوصايا التالية:

– اسمع نصائحي يا ولد، واجعلها حلقة في أذنك، واعمل بها، وإياك أن تحيد عنها، فهي من ثبّت السلطة في يدي لثلاثة عقود، ومكنني من توريثك إياها دون أن يجرؤ أي سوري على إظهار عدم رضاه.
– حافظْ على السلطة وهي بيدك، واقبض عليها بأسنانك، فإنها إن ذهبت منّا فلن تعود إلينا؛ فالقفز إلى السلطة أمرٌ شاق، ولكن الاحتفاظ بها أمرٌ أشقّ ألف مرة، وخاصة بالنسبة إلى رجل منا، فقد استوليتُ أنا عليها وكرّستُ سلطتي المطلقة في غفلةٍ من التاريخ، فحافظ عليها، وعضّ عليها بالنواجذ.
– خذ شريعتك من القوة والغلبة، واجعل قبضتك الأمنية أساس الحكم، تقبض على رقاب الناس، وتتحكم في كل شيء، وتتدخل في مفاصل حياة كل فرد. واعلم أن الجيش هو أداة السلطة الضاربة، فابقِه في يد من يلوذ بك، فكتيبة دبابات واحدة أهمّ من كل أفرع الأمن. الأمن يقبض على الأفراد، ولكن لا يواجه التحركات الواسعة سوى الجيش.
– نحن عائلة صغيرة فقيرة ثانوية، من طائفة صغيرة ثانوية، وقد أتيح لنا أن نقبض على السلطة، فغيّرنا قواعد اللعبة، ولكننا لا نستطيع تغيير الواقع، فاعتمد على أبناء الطائفة، وورّطهم معك في أعمال السلطة، واجعلهم يشعرون بأنهم أصحاب هذا الحكم، وأن يقتنعوا بعمق بأنه إن ذهب منهم فسينالهم ضّرٌ عظيم.
– لا تسمح للطائفة العلوية بأن تصبح طائفة بذاتها، فهذا يجعلها قوية في مواجهة بيت الأسد، وبيت الأسد لم يكن لهم مكانة معتبرة داخلها، بل اجعل أبناءها فرادى، كلٌّ يهتم بذاته، ولا تخلق فُرص عمل لهم في مناطق عيشهم، بل ادفعهم إلى أن يأتوا إلى دمشق؛ فسورية تُحكم من دمشق، ومن مدنها الرئيسة، لا من الريف البعيد، فهذا قِرش أبيض ليوم أسود، ولن يدوم حكمك بغير هذا، واجعل أبناء الطائفة العلوية عماد جهازي الجيش والأمن.
– اجعل قيادات مؤسسات الدولة من أبناء الفئات التي كانت مهمشة في المدينة أو في الريف، لتحكم تلك الفئات التي كانت حاكمة سابقًا، فهؤلاء سيسعدون بهذا الدور القيادي بعد أن كانوا محكومين، فمصلحتهم تكمن في استمرار سلطتك، وسيدافعون عنها وعنك لأنهم يخشون عودة الظروف السابقة ، ويخشون  أن يعودوا الى فقرهم وتهميشهم.
– تذكر أن الناس يوالونك ما دمتَ قويًا وقادرًا على قهرهم، فالناس عبيدُ القوة، فإن أحسّوا بضعفك انقلبوا عليك، وذهبوا إلى من هو أقوى. من يملك القوة يملك الشرعية، والشرعية تؤخذ غصبًا، ولا تغتر بشعارات “إرادة الجماهير”، فالجماهير تساق إلى حيث يراد لها، وتهتف بحياة من يراد له.
– تذكّر درسَ حماة جيدًا، واجعله قاعدة حكمك، ولا تأخذنك رحمة بمن يتمرد على سلطتك، فاضرب بيد من حديد ونار، واستخدم العقاب الجماعي لكل منطقةٍ تؤوي متمردين على سلطتك، واهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها في أي منطقة تتمرد، إذ يجب أن يدفعوا الثمن، ولا تبكِ لموت النساء والأطفال والشيوخ، وأخفِ كلّ شيء ما استطعت، ولا تهتم إن وصل ما تفعله إلى درجة العلن، ولا تتراجع ولا تضعف، ففي الضعف مقتلك.
– اقبض على المنافع والمصالح، وعزز القوة المالية في يدك وفي يد من يلوذ بك، واخلق مجموعات أعمال من بني جلدتك ومن يوالونك، فمن يملك المال يملك السلطة. لقد جنينا المال من خلال قبضنا على السلطة، والآن سنستخدم المال لتعزيز قدرتنا في القبض عليها.
– اخلق مصالح في كل مكان وفي كل منظمة، لتشكل شبكة تتخلل المجتمع وتمكنك من القبض عليه، وأجّج التنافس عليها، بين من يوالونك في قيادات الحزب وفي مؤسسات الدولة وفي المنظمات الجماهيرية. واسعَ لمنع المتنافسين من الاتفاق فيما بينهم، فليس ثمة أخطر من أن يتفقوا، فقد يتفقون يومًا عليك. وهذه المنافسات تفتّتهم.
– اشتر الولاءات، فالناس عبيد مصالحهم، توجّه إلى الفئات المدينية، واخلق مصالح صغيرة لوجهائهم، وتوجه إلى العشائر واخلق مصالح لشيوخهم، وتوجه إلى رجال الدين واخلق لهم مصالح، كي يسبّحوا بحمدك، وتذكر أن من يأكل على طبق السلطان يضرب بسيفه، ولا تصدق أن رجال الدين يعملون بهدي الله أو بهدي ما يؤمنون به، بل يعملون بهدي مصالحهم ومصالح من يتبعونهم.
– تذكر أن معظم الناس يمكن شراؤهم، وأبعد عنك من لا يمكن شراؤه. استخدم من أصحاب الكفاءات من هم بلا شخصية وبلا طموح، وأبعد عنك أصحاب “الضمير الحيّ”، فهؤلاء متعِبون، وابحث عن الانتهازي والفاسد والسافل، واستخدمهم في سلطتك، فهؤلاء يهمهم مصلحتهم، وهم مستعدون لتنفيذ كل ما تطلبه منهم. وإياك أن تسمح لأي منهم بالبروز، مهما كان دوره عظيمًا تحت سلطتك، ومهما كان مخلصًا لك، فلا دور لأحد إلا من خلالك، فأنت البداية والنهاية. وكلّ من ينتهي من خدمتك، عليه أن يختفي ويصمت، فلا يسمع به أحد.
– اجعل الجميع طراطير من حولك، وتمتع بمنظر كبار مسؤولي الدولة وهم يدبكون في الساحات من أجلك، ويشعرون بأن مصيرهم معلق بكلمة منك، دعهم ينظرون دومًا إليك يترقبون ما سيصدر عنك، وإياك والظهور بمظهر من يستجيب لطلبات الآخرين أو حتى طلبات الجماهير العريضة.
– اجعل شخصك عظيمًا مهابًا و “طوطمًا” لا يمسّ، وتشبّه بالأنبياء، وانشر من حولك هالة من القدسية، فلا يقترب أحد منك ولا ينتقدك أو يمسك بكلمة، من دون أن يناله عقاب عظيم. فالقدسية هي من عزز وجود الأديان عبر آلاف السنين.
– الأديان صمدت كل هذه القرون بسبب القدسية. الإله هو تصعيد لشخصية الملك، فتملى صورته جيدًا، إنه مُطلق الإرادة لا رادّ لقضائه، مقتدر جبار، منتقم ممن يكفرون بسلطته، ويسبغ نعمه المحدودة على أتباعه، ويقدّم لهم الوعود البعيدة بفردوس لن ينالوه.. الناس يتذللون للإله، ويحبون هذا التذلل، الأنبياء بشرٌ ادّعُوا النبوة، فصاروا مقدّسين عبر العصور.
– أنت القائد الفرد الأوحد، فإياك أن تسمح ببروز قيادات في المجتمع، يجب أن تبقى وحيدًا، فمن تبرز له قوة سيطمع في تعزيزها، وقد ينافسك يومًا، وتذكر كلمة يزيد بن معاوية إذ قال: “والله، من قال لي اتق الله قطعت رأسه”، وليعلم الجميع أن قدرتك على البطش لا حدود لها، ولكن لا تظهرها إلا حين اللزوم.
– اقبض على العقول والقلوب ما استطعت، وسيطر على التعليم والإعلام كي تسيطر على العقول، وأضفِ على شرعيتك شرعية دستورية، من دستورٍ أنا وضعته على مقاسي، وخذ تصديق الناس بالإكراه الناعم المستند إلى قدرة عظيمة من الإكراه الصلب، وعزز شرعيتك بخرقة بالية هي حزب البعث الذي نحكم باسمه، وادعمها بسيطرة مطلقة على تنظيمات الشبيبة والطلبة والعمال والفلاحين والنساء والطلائع والنقابات المهنية، من مهندسين وأطباء ومحامين وصيادلة ومعلمين.
– إياك وتمكين أي مؤسسة من الاستقلال بقرارها، لا برلمان ولا إدارة محلية ولا وزارة ولا إعلام ولا قضاء، واجعل الجميع يقضون ويفعلون بما ترتضيه أنت وتأمر به أجهزة أمنك.
– تذكر أن لا قيمة للجماهير، كلمة استعملها كالعلكة، مضغ بدون طعام، استعملها كذبًا، وإياك والوقوع في الشعبوية والميل إلى إرضاء الجماهير، فهذا ضعفٌ وفيه مقتلك، وليبدُ أن كلّ شيء يصدر عن إرادتك المطلقة، حتى حين لا تعجب إرادتك البعض، يجب أن يتقبّلها ويسلّم بأن وراءها حكمة عظيمة لا يعرف هو كنهها، وحين لا يسلّم بذلك ويبقى غاضبًا، فليعلم أن انتقامك عظيم، إذا ما أظهرَ أي تذمّر.
– قوتك في ضعف مجتمعك، فالسلطة ميزان بين الحاكم والمجتمع المحكوم، ولكي يبقى الحاكم حاكمًا يجب أن يبقي المحكوم ضعيفًا. لا تمنح المجتمع قدرات على التعبير والتنظيم، وامنع أي رأي آخر من الظهور، وإياك والانبهار بأنظمة الغرب الديمقراطية، وبالكلام الفارغ عن الحريات العامة وحقوق الإنسان، وإياك أن تتيح للشعب أن يقول كلمته بحرية، فحينها لن يقولها لصالحك، وإياك وحرية الأحزاب وحرية الصحافة وحرية التظاهر، فهذا ماردٌ إن انطلق من قمقه أطاح بسلطتك.
– اسعَ لاستمالة الأكثرية السنّية، عبر مكاسب مادية لنخبتها الثقافية ورجال أعمالها ورجال دينها، وتجنب إثارتهم، واسعَ لاستمالتهم ببناء المساجد ومدارس تحفيظ القرآن والعلاقات الحسنة مع الإخوان المسلمين خارج سورية، والعلاقات الحسنة مع الحركات السنية الجهادية، ولكن إياك أن تسمح لهم بإقامة تنظيمات سياسية، ولا تأمن لهم، فالسلطة انتُزعت منهم، ولن ينسوا ذلك.
– إياك والاطمئنان، فمنه يأتي هلاكك، وإياك والاعتقاد بأن الأمن مستتب، وأن الجميع مستكين ومستسلم، وأن لا تنظيمات في المجتمع تعمل ضد الدولة، ولا تظنن أن المجتمع قد مات، فالمجتمعات لا تموت، فمثل هذا التفكير هو مناخ مناسب لنمو مساعي قلب السلطة.
– إياك والغفلة عن المتربصين بالسلطة، فهم كثر، ويستعدون في كل لحظة للانقضاض عليها وعلينا. فإياك والاستكانة، ولا يخدعنك هدوء ماء النهر، ففيه حيتان وأسماك قرش تنتظر غفلتك. وأخطر هؤلاء المتربصين هم قيادات سلطتك ذاتها وأقرب المقربين إليك، فهؤلاء اكثر من يطمع في السلطة كاملة وأن يكون هو مكاني، فاحذرهم أكثر من غيرهم، خاصة وأن تحت إمرتهم قوات ولديهم نفوذ، فإن شعروا بضعفك انقلبوا عليك. لذا اجعل مراكز القوى هذه متفرقة منفردة يرتبط كل منها بك مباشرة، وضع على رأس كل منها أشخاص يُعادي بعضهم بعضًا، واجعل التنفاس بينهما شديدًا كي تأمن اي اتفاق بينها، فاتفاقهم خطر على سلطتك.
– إياك والثقة المطلقة بأي أحد، مهما أظهر لك الولاء، فحين سيتمكن سيُظهر لك النواجذ؛ فالطمع في السلطة لا يموت في النفوس، حتى من أقرب الناس إليك. ولا تأخذنك رحمة بمن ينظر إلى الكرسي، حتى لو كان أخاك أو ولدك. وتذكر كلمة هارون الرشيد إذ قال لولده: “والله، لو نافستني عليها لقتلتك”، وليكن الولاء مطلقًا لك، ومن لا يواليك شخصيًا ومطلقًا ليس له مكان في خدمتك.
– اخلط نظامك بين الرأسمالية والاشتراكية، وأقم علاقاتك مع الغرب والشرق، مع اليمين واليسار، مع العلمانيين والإسلاميين، وإياك أن تظهر أنك مع أي معسكر بالمطلق. اجعل الجميع يعتقدون أنك قريب منهم، وأن بإمكانهم كسبك إلى صفوفهم، ولا تقطع شعرة معاوية مع أحد.
– ضع مقاليد الأمور في كل محافظة في يد الفئات التي كانت مهمشة، لتتحكم في الفئات التي كانت سيّدة من قبل، فهؤلاء الجدد سيظلون يخافون عودة الماضي، فيعلمون بإخلاص لتثبيت حكمك، وأفسح لأبناء الريف القدوم إلى المدينة، وإقامة أحزمة من الفقر تحيط بالمدن الكبرى، ليشعر أبناء المدن الكبرى بأن الخطر يحيط بهم، وأن نظامك هو من يلجم تلك الفئات الوافدة. يجب أن يشعر ساكن حي المالكي بدمشق بأن السلطة تحميه من هجوم محتمل لقاطني حي الـ 86 ليأخذوا منازلهم.
– استخدم الفساد والإفساد على نحو واسع، فالفساد الصغير يجعل الفساد الكبير مقبولًا، تحت مقولة الجميع فاسد. فنحن عبر استخدام السلطة كوّنّا الثروة، فلم يكن لدينا ملكيات لتنتج ثروة، السلطة أنتجت لنا الثروة، والآن على الثروة أن تعزز سلطتنا.
– مارس التقية السياسية، وخذ ممن يعطيك وأعط من يواليك، وتذكر أن لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، ولكن مصالح السلطة دائمة.
– حافظ على علاقة قوية مع السعودية في كل الظروف، ولكن انتظم سرًا مع إيران بقوة، واستخدمها كفزاعة ضد العرب، كي تكون أنت الوسيط بينهما، فهذا يعطيك دورًا. ولكن لا تدع إيران تتحكم بك، ولا تكن ورقةً بيدها، بل لتكن هي ورقةٌ بيدك. ولا تسمح لها بنشر التشيع في سورية، فهذا قنبلة موقوتة.
– الدور الإقليمي يعزز سلطتك، ونحن دولة ضعيفة، لا إمكانات لديها ولا تستطيع القيام بأعمال إيجابية كبيرة لخلق دور كبير لها، لذلك عليك اللجوء دائمًا إلى دور “مخربط الألعاب”، كي يمنحوك دورًا، وفق القاعدة الفقهية “داروا سفهاءكم”. لا تصالح إسرائيل، وهددها بغيرك، ولا تخرج من لبنان، ولا تدع اللبنانيين يتفقون، واجعل الأردن تعيش تحت شعور دائم بالخطر القادم من دمشق، وأقم علاقات وطيدة مع ما يسميه الأميركان “دول الشر”، مثل كوريا الشمالية وكوبا والعراق، وأقم علاقات مع القاعدة ومع القوى الإسلامية المتطرفة، وسرّب معلومات عنهم للأميركان، أقم علاقات مع المعارضات في الدول العربية وفي تركيا، وادعم حزب PKK التركي، ليكون مصدر إزعاج دائم للأتراك، وأقم علاقات مع أكراد العراق، وفي الوقت نفسه أقم علاقات معلنة أو سرية مع حكومات جميع هذه الدول، وهددهم بمعارضاتهم، على نحو مبطن وصريح، وحينئذ سيكون الجميع بحاجة إليك وإلى خدماتك.
– أبقِ على وضع اللاحرب واللا سلم مع إسرائيل، فلا مصلحة لنا في انتهاء هذا الصراع، فهو يمنح سورية دور “دولة المواجهة”، وهو أداة لتجييش الداخل، وحجة لفرض حالة الطوارئ، وللحفاظ على جيش كبير ونظام أمني شامل، وعسكرة المجتمع، ووسيلة لاجتذاب تأييد القوميين واليساريين، وأداة لابتزاز المال من دول النفط. ولكن أزعج إسرائيل بحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، وامتلك قوة ردع صاروخية، فهي كل ما نستطيعه عسكريًا، وهذا كي تحسب إسرائيل لك حسابًا، ولكن إياك والانجرار إلى صدام مباشر معها، فالصدام معها سيُنهي سلطتنا إلى الأبد.
– عادِ أميركا بالإعلام، ولكن إياك والإضرار الفعلي بأي من مصالحها، والعب على الشعور القومي، ولكن لا تقترب من المعسكر الشرقي كما يريد، ولا من روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فدورها أصبح محدودًا، ولكنها مصدر لتسليحنا، وهي تملك فيتو في مجلس الأمن.
– إذا احتل الأميركان العراق، كما يلوح في الأفق، فلا تخفْ، فهي ستقيم دكتاتورية شيعية تأتمر بأمر إيران، وهذا لصالحنا، ولكن ادعم المقاومة السنية في العراق ضد الأميركان، بحدود، فهي تجارة رابحة كي يبقى لك دور، وكي يحسب لك الأميركان حسابًا.
كلمة أخيرة

قد يطالب البعض بالدليل على أن حافظ أسد قد قال ما أوردته أعلاه، لذا أنا أوضح هنا أن الأهم من الدليل، والأهم من أن يكون حافظ أسد قد قال هذه الوصايا بهذا الشكل وبهذه العبارات أم بغيرها، أن هذه الوصايا هي بالضبط القواعد التي بنى عليها حافظ أسد ومن بعده وريثه بشار قواعد حكمهم وسلطتهم، فالأفعال على مدى نصف قرن هي البرهان الأهم الف مرة من الوثيقة، لذا اعتقد جازمًا أن حافظ الأسد قد أوصى وريثه بكل هذا وأكثر منه سواء قالها بهذه الكلمات أم بغيرها، وأنه قد كرر عليه هذه الوصايا مرات ومرات إلى أن وافته المنية، وكانت نصيحته الأخيرة:

يا بشار… حافظ على السلطة بأي ثمن.. بأي ثمن.. بأي ثمن… وظلّ يرددها حتى ذهب إلى منتهاه.